جلال الدين السيوطي
161
الأشباه والنظائر في النحو
وقال أيضا : إن المعربين اتفقوا على تعلّق يوم من قوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ، يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [ الطور : 7 - 9 ] بواقع ، مع أنّ ما لها صدر الكلام ، ولم يمنع من ذلك ما عدا الإمام فخر الدين ، واستند الإمام فخر الدين في ذلك إلى أنّ العذاب المكنيّ عنه لم يقع في ذلك اليوم ، بل بعد ذلك في يوم البعث وهذا اعتراض قريب لأنّ اليوم يطلق على تلك الأزمنة جميعها ، وعلى هذا فلا مانع من أن تكون الآية السابقة من باب التنازع ، واستند بعضهم في منع التنازع في الآية إلى أنّ ذلك يتخرج على أحد القولين في الجملة الاسمية الواقعة جوابا هل لها موضع من الإعراب أم لا ؟ فإن قلنا : إنّ لها موضعا من الإعراب ينبغي أن لا يجوز التنازع ، لأنه يشترط في باب التنازع أن يكون كلّ من العاملين له استقلال ، ولا أدري كيف قيل بذلك ، فإنّ النحاة جمهورهم يعدّون قوله تعالى : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [ الكهف : 96 ] من باب الإعمال مع صريح الجزم فيه ، وكذلك قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : 5 ] ثم إنّ شرط الاستقلال تحجير في المسألة لم نر من قيد بذلك ، وبل من جوّز ذلك حيث لا استقلال فقد ردّ ابن الصائغ على ابن عصفور استدلاله - أعني ابن عصفور - على استعمال ( عسى ) تامة بقوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] وجعله ذلك دليلا قاطعا من جهة أنّه لا يجوز أن يعتقد أن ربك مرفوع بعسى و « يبعثك » متحمل للضمير لئلا يلزم الفصل بين أبعاض الصلة بمعمول غيرها . وقال : أعني ابن الصائغ : يمكن أن تكون الآية من باب التنازع بأن يعمل الثاني ويجعل في الأول ضمير يعود على ربك ، فهو كما تراه قد أجاز التنازع مع أنّ العامل الأول لم يستقلّ ، وإنّما ذلك شيء كان يقوله شيخنا أثير الدين في قوله تعالى : وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا [ الجن : 4 ] ، ويقول : كيف يجعل هذا من باب التنازع ولا استقلال في كلا الجملتين ؟ وهل مثل هذا جائز ؟ فيذكر ذلك على سبيل الاستكشاف لا على سبيل التقييد للباب . قال ابن الصائغ : وأقول : إنّ من منع أن تكون هذه الآية من باب التنازع فلم يستند لأقوى من أنّ « إنّ » والفاء لهما صدر الكلام ، وما له صدر الكلام يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله ، فكذلك ينبغي أن يمنع ما قبله من العمل فيما بعده من جهة صدريته ، وإذا استقرّ ذلك وكان من شرط باب التنازع إمكان تسلط العامل على ذلك المعمول وعمله فيه كما تقدم في النقل عن سيبويه والعامل هنا - أعني الأول - لا يمكن أن يعمل في المتنازع فيه لما مرّ ، وقد يتقوى ذلك بما ذكره الخفاف في شرح الكتاب ، فإنه قال فيه بعد إنشاد قول الشاعر : [ البسيط ]